ابن خلدون
324
رحلة ابن خلدون
الأقيال « 1474 » والأساورة ، « 1475 » وحائز قصب السبق في الملوك عند المناضلة والمفاخرة ، ومفوّض الأمور بإخلاصه إلى ولي الدنيا والآخرة ، مؤيّد كلمة الموحدين ، ورافع دعائم الدّين ، وظهير خلافة المؤمنين ، سلطان المسلمين أبو سعيد . صدّق الله فيما يقتفي من الله ظنونه ، وجعل النصر ظهيره ، كما جعل السعد قرينه ، والعزّ خدينه ، « 1476 » وكان وليّه على القيام بأمور المسلمين ومعينه ، وبلّغ الأمّة في اتّصال أيّامه ، ودوام سلطانه ، ما يرجونه من الله ويؤمّلونه . لمّا قلّده الله هذا الأمر الذي استوى له على كرسيّ الملك ، وانتظمت عقود الدّول في لبّات الأيام ، وكانت دولته واسطة السّلك وجمع له الدين بولاية الحرمين ، والدّنيا بسلطان التّرك . وأجرى له أنهار مصر من الماء والمال ، فكان مجازه فيها بالعدل في الأخذ والتّرك . وجمع عليه قلوب العباد . فشهد سرّها بمبّه الله ( له ) « 1477 » شهادة خالصة من الرّيب ، بريئة من الشّك ، حتى استولى من العزّ والملك على المقام الذي رضيه وحمده . ثم تاقت نفسه إلى ما عند الله ، فصرف قصده إليه واعتمده ، وسارع إلى فعل الخيرات بنفس مطمئنّة ، لا يسأل عليها أجرا ولا يكدّرها بالمنّة ، وأحسن رعاية الدين والملك تشهد بها الإنس والجنّة ، لا ، بل النّسم والأجنّة . ثم آوى الخلق إلى عدله تصديقا بأن الله يؤوه يوم القيامة إلى ظلاله المستجنّة ، ونافس في اتخاذ المدارس والرّبط لتعليم الكتاب والسنّة ، وبناء المساجد المقدّسة يبني له بها الله البيوت في الجنّة ، والله لا يضيع عمل عامل فيما أظهره أو أكنّه . وإنّ مما أنتجته قرائح همّته وعنايته ، وأطلعته آفاق عدله وهدايته ، ووضحت شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته ، ونجح مقاصده في الدين وسعايته ، هذا المصنع الشّريف ، والهيكل السّامي المنيف ، الذي راق الكواكب حسنه وظرفه ، وأعجز الهمم البشرية ترتيبه ورصفه ، لا ! بل الكلم السّحرية تمثيله ووصفه وشمخ بمطاولة
--> ( 1474 ) جمع قيل وهو ، في مملكة حمير ، بمنزلة الوزير بالنسبة للملك . ( عن التاج ) . ( 1475 ) جمع إسوار ، وهو الرّامي أو الفارس . وانظر « المعرب » للجواليقي ص 20 . ( 1476 ) الخدين : الصديق . ( 1477 ) زيادة عن كلمة الإهداء التي صدر بها ابن خلدون : « الكتاب الظاهري » وهي ضرورية .